أحمد بن محمد القسطلاني

263

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

السين على الموحدة ، وفي الرابع : بخمسين تقريبًا في كلها ثبوت التطويل من الشارع بلا تقدير . لكن قال الفاكهاني : إن في بعض الروايات تقدير القيام الأول بنحو سورة : البقرة ، والثاني بنحو سورة : آل عمران ، والثالث بنحو : سورة النساء ، والرابع بنحو : سورة المائدة . واستشكل تقدير الثالث : بالنساء ، مع كون المختار أن يكون القيام الثالث أقصر من القيام الثاني ، والنساء أطول من آل عمران . ولكن الحديث الذي ذكره غير معروف ، إنما هو من قول الفقهاء . نعم ، قالوا : يطول القيام الأول نحوًا من سورة البقرة ، لحديث ابن عباس الآتي في باب صلاة الكسوف جماعة ، وإن الثاني دونه ، وإن القيام الأول من الركعة الثانية نحو القيام الأول . وكذا الباقي . نعم ، في الدارقطني ، من حديت عائشة أنه قرأ في الأول : بالعنكبوت والروم ، وفي الثاني : بيس . ( ثم انصرف ) عليه الصلاة والسلام من الصلاة ( وقد انجلت الشمس ) بنون بعد ألف الوصل ، أي : صفت وعاد نورها ، ولأبي ذر : تجلت ، بالمثناة الفوقية وتشديد اللام ( فخطب الناس ) خطبتين كالجمعة ( فحمد الله وأثنى عليه ) زاد النسائي ، من حديث سمرة : وشهد أنه عبد الله ورسوله ، ( ثم قال ) : ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله . لا ينخسفان ) بنون ساكنة بعد المثناة التحتية وبالخاء مع كسر السين ، ولأبوي ذر ، والوقت ، وابن عساكر : لا يخسفان ، بإسقاط النون ( لموت أحد ) من الناس ( ولا لحياته ) وإنما يخوف الله بكسوفهما عباده ( فإذا رأيتم ذلك ) الكسوف في أحدهما ( فادعوا الله ) وللحموي ، والمستملي : فاذكروا الله بدل رواية الكشميهني : فادعو الله ( وكبروا وصلوا ) كما مر ( وتصدقوا ) وهذا موضع الترجمة . ( ثم قال ) عليه الصلاة والسلام : ( يا أمة محمد ، والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته ) برفع أغير ، صفة لأحد ، باعتبار المحل ، والخبر محذوف منصوب أي موجودًا على أن : ما ، حجازية ، أو يكون : أحد مبتدأ ، أو : أغير ، خبره . على أن : ما ، تميمية . ويجوز نصب : أغير ، على أنها خبر : ما ، الحجازية . ومن زائدة للتأكيد ، وأن يكون مجرورًا بالفتحة على الصفة للمجرور باعتبار اللفظ ، والخبر المحذوف مرفوع على أن : ما ، تميمية . وقوله : " أن يزني " متعلق " بأغير " وحذف من قبل : أن ، قياس مستمر . واستشكل نسبة الغيرة إلى الله لكونها ليست من الصفات اللائقة به تعالى ، إذ ، هي : هيجان الغضب بسبب هتك من يذب عنه ، والله تعالى منزه عن كل تغيير . وأجيب : تأويله بلازم الغيرة ، وهو المنع . وزيادة الغيرة معناها زيادة المنع ، والزيادة هنا حقيقة ، لأن صفات الأفعال حادثة عندنا ، تقبل التفاوت ، أو يؤول بإرادة الانتقام ، ليكون من صفات الذات . أو التفضيل هنا مجازي ، لأن القديم لا يتفاوت إلا أن يراد باعتبار المتعلق . وتأوله ابن فورك على الزجر والتحريم ، وابن دقيق العيد : على شدّة المنع والحماية ، فهو من مجاز الملازمة ، ومجاز الملازمة يحتمل كلاًّ من التأويلين ، لأن ذلك ، إما من إطلاق اللازم على الملزوم ، أو الملزوم على اللازم . على كل حال فاستعمل هذا اللفظ جاريًا على ما ألف من كلام العرب . قال الطيبي : ووجه اتصال هذا المعنى بما تقدم من قوله فاذكروا الله . . . الخ ، هو أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لما خوّف أمته من الكسوفين ، وحرضهم على الفزع والالتجاء إلى الله تعالى بالتكبير والدعاء ، والصلاة والصدقة ، أراد أن يردعهم عن المعاصي التي هي من أسباب حدوث البلاء ، وخص منها الزنا لأنه أعظمها . والنفس إليه أميل ، وخص العبد والأمة بالذكر ، رعاية لحسن الأدب . ثم كرر الندبة فقال : ( يا أمة محمد ، والله لو تعلمون ما أعلم ) من عظمة الله وعظيم انتقامه من أهل الجرائم ، وشدة عقابه ، وأهوال القيامة وما بعدها ( لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا ) ، لتفكركم فيما علمتموه : والقلة هنا بمعنى العدم ، كما في قوله : قليل التشكي . أي عديمه وقوله تعالى : { فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا } [ التوبة : 82 ] أي غير منقطع . واستدلّ بهذا الحديث على أن لصلاة الكسوف هيئة تخصها من التطويل الزائد على العادة في القيام وغيره ، ومن زيادة ركوع في كل ركعة . وقد وافق عائشة على رواية ذلك ، عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، ومثله عن أسماء بنت أبي بكر ، كما مر